علي الهجويري
231
كشف المحجوب
مذهب السهلية المختص بمجاهدة النفس وتربيتها . فصل في مجاهدات النفس قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 1 » وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « المجاهد من جاهد نفسه في اللّه » ، وقال أيضا : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، قيل : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : « مجاهدة النفس » « 2 » قد حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أن مجاهدة النفس هي أشق من جهاد السيف هذا لأن الأول أشد ألما ، وحيث علمت ذلك لزمك أن تعرف أن طريقة المجاهدة ظاهرة لا تحتاج إلى بيان ، وأنه قد وافق عليها أكابر الأئمة ، وجميع الفرق والأديان والملل ، وإنما يلاحظها ويراقبها أهل التصوف على الخصوص . وعبارة مستفيضة بين الصوفية على اختلاف طبقاتهم ، وقد تكلم المشايخ عليها بكثير من الحكم . أما سهل بن عبد اللّه فإنه أخذ بهذا الأصل ، وجعله نهاية مقصده يروى أنه كان لا يفطر إلا مرة واحدة ، في كل خمسة عشر يوما ، ولم يأكل إلا قليلا طوال حياته . ومع أن أهل التصوف يثبتون الحاجة إلى المجاهدة ، ويقولون عنها إنها سبب من أسباب نيل المشاهدة ؛ إلا أن سهل أثبت : أن المجاهدة هي علة المشاهدة وقد جعل الطلب سببا قويا في الوصول ، بل إنه كان يعتبر الحياة الدنيا ، التي يقضيها الفرد في الطلب أعلى قدرا من الحياة الآخرة . وقد قال : « إن أنت عبدت ربك في هذه الدنيا نلت القرب منه في الدار الآخرة ، وبدون أن تعبده هنا لن تتقرب إليه هناك » ، ويتبع ذلك أن مجاهدة النفس ، بمعونة اللّه تعالى ، هي أقرب سبب موصل إلى اللّه تعالى . فقد قيل : « المشاهدات مواريث المجاهدات » . والآخرون يعتقدون أنه لا يوجد سبب ما يوصل إلى اللّه ، ولا يتوصل إلى اللّه إلا بفضله . وهذا بعيد عن أعمال الإنسان ، ولذلك فهم
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : آية 69 . ( 2 ) أخرجه الخطيب البغدادي .